النويري

47

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان يجرّ من الذهب مثل حجر الرحى ، ومن الزّبرجد كالأسطوانة ، ومن الأسبادشم في صحراء الغرب كالقلَّة . وعمل من العجائب شيئا كثيرا . وبنى منارا عاليا على جبل قفط يرى من البحر الشرقىّ ، ووجد هناك معدن زئبق فعمل منه بركة كبيرة ، فيقال إنها هناك إلى الآن ؛ وأما المنار فسقط . وعمل عجائب كثيرة . ويقال : إنه بنى المدائن الداخلة وعمل فيها عجائب كثيرة ، منها : الماء الملفوف القائم كالعمود لا ينحلّ ولا يذوب ، والبركة التي تسمّى فلسطين ، أي صيّادة الطير ، إذا مرّ عليها الطير سقط فيها ولم يمكنه أن يبرح حتى يؤخذ . وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر إذا قربت الأسد والحيّات والأشياء المضرّة من تلك المدينة صفر صفيرا عاليا فترجع تلك الدوابّ هاربة . وكان على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب إلَّا ألقى عليه النوم والسّبات ، فينام عندها ولا يستيقظ حتى يأتيه أهل المدينة وينفخون في وجهه فيقوم ، وإن لم يفعلوا ذلك لم يزل نائما عند الأصنام حتى يهلك . وعمل منارا لطيفا من زجاج ملوّن على قاعدة من نحاس ، وعلى رأس المنارة صورة صنم من أخلاط كثيرة ، وفى يده كالقوس كأنه يرمى عنها ، فإن عاينه غريب وقف في موضعه لم يبرح حتى ينجيه أهل المدينة . وكان ذلك الصنم يتوجّه إلى مهبّ الرياح الأربع من نفسه . قال وقيل : إن هذا الصنم على حالته إلى الآن ، وإنّ الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفا من ذلك الصنم أن تقع عين الإنسان عليه فلا يزال قائما حتى يتلف . قال : وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه ، وهلك لذلك خلق كثير . ويقال : إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة من أخلاط ترى جميع ما يسأل الإنسان عنه وهى غربىّ البلد . قال : وعمل خلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة